فقه قتل الرحمة (القتل بدافع الشفقة) القضية موجزا

 فقه قتل الرحمة (القتل بدافع الشفقة)

القضية موجزا

Mercy killing

الحمد لله الذي كرّم الإنسان وصان دمه، وجعل حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الذي نهى عن الظلم والعدوان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛ فإن مسألة ما يُسمّى بـ«قتل الرحمة» من أخطر القضايا المعاصرة التي برزت في زمن التقدم الطبي وتعقّد الحالات المرضية، حيث يشتد الألم بالمريض أو يطول أمد المعاناة، فيُطرح هذا المصطلح تحت شعار الشفقة والإنهاء الرحيم للألم. غير أن هذا الموضوع يمسّ أصلًا عظيمًا من أصول الشريعة، وهو حرمة النفس البشرية، ولذلك كان بحثه مهمًا، وضبطه فقهيًا أمرًا ملحًا.

أولًا: أهمية الموضوع

تظهر أهمية هذه المسألة من جهات عديدة:

تعلقها بمقصد حفظ النفس، أحد الضروريات الخمس.

كثرة النوازل الطبية في هذا العصر.

وقوع بعض الناس في التباس بين الرحمة الحقيقية والاعتداء المحرّم.

انتشار قوانين في بعض الدول تبيح هذا الفعل.

ولهذا كان من الواجب بيان الحكم الشرعي بوضوح، حمايةً للأنفس وصيانةً للمجتمع من الانزلاق في مسالك خطيرة.

ثانيًا: خطورة قتل الرحمة

قتل الرحمة — وإن سُمّي رحمة — هو في حقيقته إزهاق نفس معصومة، وخطورته عظيمة للأسباب الآتية:

أنه اعتداء على حق الله في الحياة والموت.

أنه يفتح باب التلاعب بأرواح الضعفاء وكبار السن.

أنه قد يتحول من حالة استثنائية إلى ثقافة مجتمعية.

أنه يناقض مبدأ الصبر والاحتساب الذي هو من أعظم القربات.

ولهذا شددت الشريعة في باب الدماء تشديدًا عظيمًا.

ثالثًا: أدلة القرآن الكريم

وردت نصوص كثيرة تؤكد حرمة قتل النفس، منها:

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151].

وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

وقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ… فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

وهذه النصوص عامة تشمل كل صور القتل بغير حق، مهما كانت الدوافع.

رابعًا: أدلة السنة النبوية

من الأحاديث الدالة على التحريم:

قول النبي ﷺ: «من قتل نفسه بشيء عُذّب به يوم القيامة» (متفق عليه).

وقوله ﷺ: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا» (رواه البخاري).

وهذا يدل على عظم جريمة الدماء في الإسلام.

خامسًا: أحوال العالم في هذه القضية

في العصر الحديث، انقسمت الدول إلى اتجاهين:

1) دول تُحرّم قتل الرحمة

وهي الغالبية في العالم، وتعدّه جريمة قتل.

2) دول تبيحه بضوابط قانونية

مثل بعض الدول الأوروبية وأماكن محدودة في العالم، حيث يُسمح به بشروط طبية صارمة.

غير أن الإباحة القانونية لا تغيّر الحكم الشرعي عند جمهور الفقهاء المعاصرين، الذين يرون التحريم.

سادسًا: فضل الصبر على المرض والألم

الشريعة حثّت على الصبر وبيّنت عظيم أجره، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

وقال النبي ﷺ:

«ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب… إلا كفّر الله به من خطاياه» (متفق عليه).

فالألم — مع الصبر — رفعة في الدرجات وتكفير للسيئات.

سابعًا: هل الآمر بقتل الرحمة قاتل؟

من جهة الفقه الجنائي الإسلامي:

المباشِر للقتل: هو القاتل قطعًا.

الآمر أو الموافق: شريك في الإثم، وتفصيل مسؤوليته يختلف باختلاف الصور.

فلو طلب المريض القتل، فاستجاب الطبيب، فالجمهور على أن الطبيب قاتلٌ آثم؛ لأن الإذن لا يبيح الدم المحرّم.

ثامنًا: الرؤية الفقهية:

تحريم قتل الرحمة الإيجابي (بإعطاء مادة قاتلة).

جواز ترك العلاج غير المجدي في بعض الحالات بضوابط.

جواز رفع الأجهزة إذا تحقق موت الدماغ بشروط معتبرة عند أهل الاختصاص.

وهذا فرق مهم بين:

 القتل المباشر (محرّم)

 ترك الإطالة الصناعية للحياة عند تحقق الموت (قد يجوز بضوابط)

تاسعًا: هل يجوز في أي وقت؟

الخلاصة عندالفقهاء

لا يجوز قتل الرحمة عمدًا مهما اشتد الألم.

لا يبيحه طلب المريض.

لا يبيحه إذن الأهل.

لا يبيحه اليأس من الشفاء.

لكن يجوز التخفيف المشروع للألم، والرعاية التلطيفية، وترك العلاج غير النافع وفق ضوابط أهل الاختصاص

الخلاصة

إن الرحمة الحقيقية ليست في إنهاء الحياة، بل في تخفيف الألم، ومواساة المريض، وإحاطته بالرعاية والحنان. فكم من مريض ظُنّ أنه هالك فعاش، وكم من ألم كان سلّمًا إلى رفعة الدرجات.

والواجب على الأطباء والأهالي وطلاب العلم أن يقفوا عند حدود الشرع، وأن يعلموا أن مفاتيح الحياة والموت بيد الله وحده، وأن الشفقة التي تخالف أمر الله ليست رحمة، بل هي — في ميزان الشرع — عدوان مستتر بثوب العطف.

القضية تفصيليا

▫️ تعريف القتل العمد 

يرى جمهور الفقهاء أن القتل العمد يتحقق باجتماع القصد والفعل معاً؛ فمتى ما توفرت نية القتل واستُخدمت أداة يُقتل بها غالباً، وقع القتل عمداً. ويعتبر تعريف الشافعية هو المختار والأفضل، والذي ينص على أن القتل العمد هو: "قصد الشخص والفعل بما يقتل غالباً".

 *حكم القتل العمد*

أجمع الفقهاء على تحريم قتل النفس عمداً بغير حق، مهما كانت الدوافع أو الأسباب، وسواء كان المقتول صغيراً أو كبيراً، صحيحاً أو مريضاً، وحتى وإن كان في لحظات احتضاره. ويترتب على هذا الفعل الآتي:

 * الإثم: يُعد القاتل آثماً عند الله تعالى.

 * الجزاء: عقوبته الدنيوية هي القصاص، بحيث يُقتل القاتل بمن قتل.

▫️الأدلة من القرآن الكريم

استدل العلماء على هذا التحريم بعدة آيات كريمة، منها:

 * قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.

 * قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}.

 ▫️وجه الدلالة

تؤكد هذه الآيات بوضوح على حرمة قتل النفس بغير حق؛ حيث جاء النهي بصيغ متعددة تفيد التحريم القاطع لعدم وجود أي قرينة تصرف النهي عن معناه. كما توعد الله سبحانه من يرتكب هذا الجرم بالعذاب المقيم في جهنم، مما يدل على أن قتل النفس من أكبر الكبائر.

 ▫️الأدلة من السنة النبوية

- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". (المتفق عليه) 

- عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قتيلاً قُتل على عهد رسول الله ﷺ لا يُدرى من قتله، فقال النبي ﷺ: "يُقتل قتيل لا يُدري من قتله، لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله إلا أن يشاء ذلك". (البيهقي) 

 ▫️وجه الدلالة من الأحاديث 

أوضحت هذه الأحاديث الشريفة حرمة دم المسلم بشكل قاطع، وبينت مدى عظم جرم الاعتداء عليه عند الله تعالى. فالدنيا وما فيها أهون عند الله من إراقة دم مسلم بغير حق، وهذا يدل على أن القتل العمد من الموبقات التي توعد الله فاعلها بالحرمان من رحمته والعذاب الشديد.

  ▫️الإجماع

أجمع المسلمون في كل عصر ومصر على حرمة القتل العمد بغير حق. ويُصنف كأكبر الكبائر بعد الشرك بالله سبحانه، وفعله يعتبر فسقاً. وبالرغم من أن توبته مقبولة عند أكثر أهل العلم، إلا أن ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن توبته لا تُقبل مستدلاً بالآيات السابقة ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها)

▫️المبحث الاول ▫️

  *أحكام قتل الرحمة*

التعريف: هو تسهيل موت الشخص المريض لتخفيف معاناته سواء بطرق فعالة أو منفعلة.

ومن الأظهر من ضوء النهار أن حياة الإنسان ملك لله وحده ولا يجوز التصرف فيها حتى بدافع الرحمة كما سيبيّن.

- *حكم القتل بطريق إيجابي*

المفهوم: هو أن يقوم الطبيب بإعطاء المريض دواءً يؤدي إلى وفاته، سواء كان ذلك بتقدير الطبيب الشخصي أو بناءً على طلب المريض أو أسرته.

الحكم الشرعي: اتفق الفقهاء تحريم تعجيل موت المريض الميؤوس من شفائه بأي وسيلة إيجابية.

 وفي حاشية الشرواني/٩-١٩٤،حاشية الشبراملسي/٨-٣٣ أنه يَحْرُمُ عَلَى الْمُتَأَلِّمِ تَعْجِيلُ الْمَوْتِ وَإِنْ عَظُمَ أَلَمُهُ وَلَمْ يُطِقْهُ؛ لِأَنَّ بُرْأَهُ مَرْجُوٌّ فَلَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ مَحْرَقٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْهُ إلَى مَائِعٍ مُغْرِقٍ وَرَآهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى لَفَحَاتِ الْمُحْرِقِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّ لَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إغْرَاقٍ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ وَالِدِهِ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ .اه‍

 

التكييف الفقهي: يُعد هذا الفعل قتلاً عمداً ولا يغير من صفته كونه بدافع الشفقة أو الرحمة؛ لأن الله تعالى أرحم بعباده من خلقه.

مسؤولية الطبيب: لا يُعذر الطبيب بطلب المريض؛ فقتل الإنسان لنفسه انتحار محرم، وفعل الطبيب يأخذ حكم القاتل عمداً.

 و يؤيد ما مر كتاب تحفة المحتاج، في كتاب الجرح بعبارته "(وَلَوْ قَالَ) حُرٌّ لِحُرٍّ أَوْ قِنٍّ اُقْتُلْنِي أَوْ (اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَقَتَلَهُ) الْمَقُولُ لَهُ (فَالْمَذْهَبُ) أَنَّهُ (لَا قِصَاصَ) عَلَيْهِ لِلْإِذْنِ لَهُ فِي الْقَتْلِ وَإِنْ فَسَقَ بِامْتِثَالِهِ وَالْقَوَدُ يَثْبُتُ لِلْمُوَرِّثِ ابْتِدَاءً كَالدِّيَةِ وَلِهَذَا أُخْرِجَتْ مِنْهَا دُيُونُهُ وَوَصَايَاهُ (وَ) مِنْ ثَمَّ كَانَ (الْأَظْهَرُ) أَنَّهُ (لَا دِيَةَ) عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُوَرِّثَ أَسْقَطَهَا أَيْضًا بِإِذْنِهِ نعم تلزمه الكفارة."اه‍ 

 وكذلك يحرم ذبح الحيوان غير المأكول ولو لإراحته كالحمار الزمن مثلا.اه‍ 

بغية المسترشدين

 ▫️الأدلة من القرآن:

- قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.

- قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}.

- قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.

الأدلة من السنة: قول النبي ﷺ: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً..." (والحديث يشمل الوعيد لكل من قتل نفسه بالسم أو غيره).

قد يحتج البعض بأن الدافع وراء طلب "إنهاء الحياة" هو المعاناة من آلام مبرحة تفوق طاقة البشر. والرد الشرعي على ذلك يتلخص في أن الألم —مهما بلغت شدته— لا يعد مسوغاً شرعياً لارتكاب المحرمات أو الاعتداء على النفس؛ فالإنسان خُلق في مكابدة ومشقة. بل إن هذه الآلام قد تكون كفارة للسيئات وتخفيفاً للذنوب.

وقد ذكر الإمام ابن حجر في فتح الباري ( ١١٢/١٠ ) إن عظم الجزاء والأجر يكون مع عظم الفعل، وتلك عاقبة الصبر على البلاء. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: "ما من وجع يصيبني أحب إليّ من الحمى، إنها تدخل في كل مفصل من ابن آدم، وإن الله يعطي كل مفصل قسطه من الأجر".

حرمة الفعل: لا يحل شرعاً للطبيب الإقدام على قتل شخص حتى وإن أذن له المقتول بذلك أو أمره به كما في الغرر البهية ٣٩/٥

عصمة الدم: تظل دماء الإنسان معصومة شرعاً ولا تسقط هذه العصمة بمجرد الإباحة أو الإذن؛ لأن النفس البشرية ليست ملكاً لصاحبها حتى يتنازل عنها أو يهبها للغير.

المسؤولية الجنائية: عند وقوع فعل القتل بناءً على أمر المقتول، طرح الفقهاء تساؤلات حول طبيعة العقوبة المترتبة على الفاعل (المأمور):

هل يجب عليه القصاص (النفس بالنفس)؟

أم تجب عليه الدية (التعويض المالي)؟

أم يُعتبر دم المقتول هدراً نظراً لإباحته دمه وتنازله عن حقه؟

قد قال العلامة ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج ٣٩١/٨

أن الماذون له للقتل لا قصص عليه ولا ولا دية وان كان فاسقا بامتثاله الأمر ودم المقتول هدر.

 ولكن ذهب المالكية وزفر من الحنفية الى ان إذن المقتول به لا يسقط القصاص عن القاتل بل يجب القود منه ان قتله كما في المبسوط وشرح منح الجليل ١٠/٩.

إذا كان إزهاق روح المريض بطلبٍ من أسرته، ويوافق الطبيب على طلبهم وينفّذه، فإن هذه الواقعة تُلحق بحكم من يأمر غيره بالقتل دون وجود إكراه؛ إذ لا يُتصوَّر تحقّق الإكراه في مثل هذه الصورة. وبناءً على ذلك، يلزم بيان حكم الأمر بالقتل إذا كان المأمور عاقلًا بالغًا: فعلى مَن يكون القصاص، أهو على الآمر أم على المأمور؟

ففي مغني المحتاج ٢٢٥/٥ وأسنى المطالب ٩/٤ - أن القود يكون على المأمور دون الآمر الذي يعزّر فقط. وذلك لأن القاتل هو المباشر لفعل القتل فهو الذي عليه القود بخلاف الآمر الذي لم يباشر الفعل وان كان آثما بفعله

إرسال تعليق

0 تعليقات