تتربع أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- على عرش الأفضلية في تاريخ نساء العالمين؛ فهي ليست مجرد زوجة لنبي، بل هي الركن الركين الذي استندت إليه الدعوة في مهدها، وأول من أبصر بنور الإيمان حين أظلمت الجاهلية، فكانت مثالاً نادراً في الحكمة، والوفاء، والثبات.
نشأتها وسيرتها قبل الإسلام
نشأت خديجة في بيت شرفٍ وعزّ وتجارة في مكة المكرمة، فجمعت بين عراقة النسب ورجاحة العقل. وفي بيئةٍ غلب عليها التخبط، تميزت هي بالطهارة والرأي السديد، حتى غدت تُلقب في الجاهلية بـ "الطاهرة"؛ لسمو أخلاقها، وعفتها، وتنزُّهها عن دنس العادات الجاهلية، فكانت تدير تجارتها بحكمةٍ واقتدار، وتستشرف بوعيها معالي الأمور.
شمائلها وصفاتها الغرّاء
اتسمت شخصية السيدة خديجة -رضي الله عنها- بمنظومة من الصفات التي جعلت منها الشخصية الأنسب لتكون شريكة المصطفى ﷺ، ومن أبرز هذه الصفات:
الحكمة ورجاحة العقل: تجلّى ذلك بوضوح في حسن اختيارها للنبي ﷺ زوجاً بعدما رأت من صدقه وأمانته، وفي تدبيرها الحكيم لمواقف الشدة التي واجهت بيت النبوة.
الكرم والسخاء اللامحدود: وضعت خديجة ثروتها الطائلة تحت تصرف الدعوة، فأنفقت مالها كله في نصرة الإسلام، وفي ذلك قال النبي ﷺ مثنياً عليها: «وواستني بمالها إذ حرمني الناس».
الثبات وقوة الإيمان: كانت السبّاقة دائماً؛ فهي أول من آمن من البشر مطلقاً، وصمدت صمود الجبال في أصعب مراحل الدعوة، لا سيما في سنوات "شعب أبي طالب" القاسية.
الوفاء والحنان: كانت نعم الزوجة التي تؤنس النبي ﷺ وتخفف عنه أعباء الوحي ومعاناة التكذيب، فمنحته السكينة النفسية التي يحتاجها كل مصلح عظيم.
علاقتها الفريدة بالنبي ﷺ
لم تكن علاقة خديجة بالنبي ﷺ مجرد رباط زوجي تقليدي، بل كانت ملحمة من الحب الصادق والدعم الوجودي:
1. قبل البعثة:
أعجبت بخلقه قبل خَلْقه، وبأمانته قبل نبوته، فكان زواجاً مباركاً قائماً على الاحترام المتبادل والمودة الساكنة.
2. لحظة الوحي الفارقة:
حين نزل الوحي وعاد النبي ﷺ يرتجف فؤاده من هول الموقف، لم تكن خديجة مجرد مستمعة، بل كانت "المثبتة" بعقلها الجبار، فقالت كلمتها التي خلدها التاريخ:
«كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
3. في غمار الدعوة:
آمنت بلا تردد، وساندته بنفسها ومالها، وصبرت على الحصار والأذى حتى استنفدت قوتها الجسدية في سبيل إعلاء كلمة الله.
الوفاء النبوي ومكانتها عند الله
ظل النبي ﷺ وفيّاً لذكراها حتى بعد رحيلها بسنوات، فكان يكثر من الثناء عليها، ويصل صديقاتها، ويقول بلسان المحب الصادق: «إني قد رُزقت حبها»
أما مكانتها عند الخالق، فقد نالت ما لم تنله امرأة أخرى؛ فهي من أفضل نساء أهل الجنة، وقد نزل جبريل -عليه السلام- ليقرئها السلام من ربه، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب (لؤلؤ مجوف) لا صخب فيه ولا نصب، جزاءً لها على صبرها وسكينتها التي وفرتها لبيت النبوة
تبقى السيدة خديجة رضي الله عنها الرمز الأسمى للمرأة المسلمة القوية، الحكيمة، والمعطاءة، التي عرفت وجه الحق فاتبعته، وبذلت الغالي والنفيس في سبيل مبادئها.
0 تعليقات